صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

294

شرح أصول الكافي

الصادق ( ع ) وذلك هو الخير الكثير والفضل الكبير . واما من أضاف الافعال إليه تعالى بنظر التوحيد واسقاط الإضافات ومحو الأسباب والمسببات لا بمعنى خلق الافعال فينا أو خلق قدرة وإرادة جديدتين عند صدور الفعل عنا كما يقوله المجبرة ولا مباينتين لقدرته تعالى وارادته كما يقوله له القدرية ولا بكونها واقعة بمجموع قدرة وإرادة قديمتين وقدرة وإرادة جديدتين كما يقول الفرقة الثالثة بل بنحو اخر يشير إليه قوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى « 1 » ، وقوله ، قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ « 2 » ، ولا يعرفه أحد الا الكاملون الراسخون في العلم ، ولا يكشف عند المقال غير الخيال ، بل يحتاج من يريد معرفته إلى أن يصير من أهل المكاشفة والمشاهدة دون المفاكرة والمناظرة ، فذلك هو الّذي طوى بساط الكون وخلص عن مضائق البون وخرج من الأين والبين فهو الولي الواصل والعارف الكامل المكمّل . ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . « 3 » هذا تفصيل المذاهب في هذا الباب ذكرتها لك لتكون متهيئا ذا بصيرة وتيقظ في طلب ما هو الحق فيها ، فلنرجع إلى الشرح فنقول : الغرض من هذا الحديث المنع عن القول بمذهب القدرية والتذهب إليه وبيان بطلانه : فقوله تعالى : يا يونس لا تقل بقول القدرية ، منع عن الاعتقاد به والذّهاب إليه ، فان القول إذا تعدى بالباء يراد به الاعتقاد والمذهب وقوله : فان القدرية لم يقولوا بقول أهل الجنة . . . إلى بما اغويتنى إشارة إلى بطلان مذهبهم بانّه في البطلان والفساد بمثابة لا يقول به أحد من العالمين كافرهم ومؤمنهم لا أهل الجنة ولا أهل النار ولا الشيطان الرجيم مع غاية غوايته وضلالته . اما أهل الجنة فقالوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ « 4 » ، فتيقنوا ان اهتدائهم إلى الجنة ووصولهم إلى السعادة الا بدية بهداية الله وارادته الأزلية وتوفيقه إياهم ولهذا حمدوا الله على الهداية وما حمدوا الا أنفسهم على الاهتداء ، لانّه من لوازم الهداية ولا حمد ولا شكر للازم الشيء بل لملزومه .

--> ( 1 ) . الأنفال / 17 ( 2 ) . التوبة / 14 ( 3 ) . الجمعة / 4 ( 4 ) . الأعراف / 43